الأربعاء، 22 أبريل 2009

أين ذهبت الآثار التى عثر عليها فى أثناء حفر نفق الأزهر!





أين ذهبت الآثار التى عثر عليها فى أثناء حفر نفق الأزهر!





محمدعثمان جبريل
مرت أكثر من سبع سنوات طوال كسنوات "يوسف "على افتتاح نفق الأزهر الذى يزيد طوله عن اثنين ونصف كيلو متر و عمقه من عشرين إلى ثلاثين متر فى عمق القاهرة الإسلامية؛ و نحن ننتظر ما قد تم الوعد به من إقامة معرض للآثار التى عثر عليها كما نشرت فى حينها( الأهرام المسائي بتاريخ 17 أغسطس 1998)عندما توقف العمل للمرة الثانية بعد أيام من استئناف الحفر بسبب العثور على ما وصف بمقتنيات أثرية جديدة و الجدير بالذكر أن الحفر قد توقف أول مرة فى بداية نفس الشهر(الأهرام 6أغسطس 1998) عندما تم الكشف عن بقايا قديمة لعناصر معمارية عبارة عن ربع قبو لبرج دفاعى اعتقد انه من جزء من بقايا السور الذى أقيم فى عصر صلاح الدين الأيوبى للدفاع عن القاهرة ؛ فهل سيطول انتظارنا ؟ سؤال موجه لوزير الثقافة الفنان فاروق حسنى و المرشح لأرفع منصب فى منظمة اليونسكو التى تعنى بالحفاظ على التراث االإنسانى !

كتب لا تموت




الملك فاروق ملك مصر و السودان



"رسالة عن السودان"

كتاب يكشف التحول المريب لرجال الثورة

فى الموقف من وحدة دولة مصر و السودان

قبل وبعد حركة الجيش




محمد عثمان جبريل
صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة "ذاكرة الكتابة" كتاب "رسالة عن السودان" بقلم البكباشي محمد نجيب ــ أول رئيس لمصر الجمهورية ــ وهو كتاب من القطع الكبير يقع فى اثنتين وممائة صفحة، وهى الطبعة الثانية للكتاب فقد صدرت الطبعة الأولى عن المطبعة الأميرية بالقاهرة 1954؛ وقد صمم غلاف الطبعة التى بين يدينا فكرى يونس تصميما مميزا يلفت النظر بأناقته وتعبيره الراقى عن مضمون الكتاب.

و قد وفق القائمون على هذه السلسلة فى اختيار إعادة نشر ٍ هذا الكتاب فى هذا الوقت؛ الذى تصاعدت فيه المشكلة السياسية بعد مذكرة التوقيف التى صدرت عن المحكمة الجنائية الدولية ضد "البشير" رئيس جمهورية السودان؛ فبالرغم أن الرئيس الراحل محمد نجيب قد كتب نواة هذه الرسالة فى عام 1943 لكنها وبحق تكشف لنا الجذور التاريخية لمخطط الغرب الهادف إلى تقسيم السودان ومن ثم الاستحواذ على ثرواته المهولة؛ والعجيب أن الكتاب يصف ثروة السودان بالبكر ومازلنا نصفها حتى الآن بذلك!!



و تأتى قيمة ما كتبه محمد نجيب لكونه بلا مبالغة خبيرا فى الشأن السودانى؛ فقد ولد ونشأ فى السودان؛ ثم عاد إليه ضابطا صغيرا ثم ضابطا كبيرا؛ كما لم تنقطع هذه الصلة بعد استقراره فى القاهرة وقد ألحق بالكتاب الأستاذ أحمد عطية الله مدير متحف التعليم يومئذ ترجمة وافية لحياة "نجيب" فى السودان واصفا ماكتبه عن نجيب (هى فى الحقيقة صورة خاطفة لأهم أحداث مصر والسودان المشتركة فى هذه الحقبة، ولسير رواد حركة التحرير فى جنوب الوادي، فهى ليست ترجمة فرد بل تاريخ أمة مجاهدة فى سبيل الحرية والكرامة).

ولاتكمن أهمية "رسالة عن السودان" فى كونه يسجل لنا مرحلة تاريخية؛ لكن أهميته الآنية تتلخص فى أمرين:
الأول: أن الحقائق التى أوردها خاصة فى المقال الأول المعنون بـ"ماذا يجري فى السودان" وقد كتب قبل حركة الجيش؛ موضحا الأسباب التى مهدت لمشكلة السودان المزمنة مجيبا عن التساؤلات التى طرحت نفسها ومازالت فيسأل (لماذا يحرص الإنجليز على الاستيلاء على السودان؟) ويجيب ملخصا الأسباب فى سبع نقاط أخطرها ما يخصنا فى مصر من ناحية الأمن القومى فيقول: للتحكم فى حياة مصر عن طريق التحكم فى مياه النيل. ثم يطرح سؤالا أكثر خطورة (ماذا يراد بالسودان؟) موضحا الوسائل التى سيستخدمها الغرب المتمثل حينها فى الانجليز لتحقيق أهدافهم فيتنبأ أنهم سيعملون على فصل مصر عن السودان ثم تقسيم السودان إلى خمس دويلات، ثم يستعرض الأحوال السياسية الداخلية والموقف السياسي السودانى من مصر والانجليز؛ و يتحدث بصراحة مطلوبة عما يسهل المخطط الاستيلائى من موقف السياسيين المصريين السلبى والذى أثر على موقف ونظرة المجتمع المصرى نفسه للإخوة السودانيين ثم يوضح رد فعل السودانيين السلبى فى مقابلة هذا الموقف. والرائع أنه لا يكتفى بكشف الحقائق ولكن يقدم وسائل العلاج التى تدور حول ما حدده (من أنه لا فارق بين المصرى والسودانى، بل أن للسودانى ما للمصرى من حقوق وعليه ما عليه من واجبات) موضحا الأساليب الديمقراطية لتطبيق هذا المبدأ.



أما الأمر الثانى فى أهمية هذا الكتاب هو كشف التطور فى الموقف المصرى من السودان قبل حركة الجيش وبعدها؛ فنرى فى المقالة الأولى والثانية "يد الاستعمار على حدود السودان" ـ وقد كتبا قبل الحركةـ حرصا شديدا على مقاومة فصل مصر عن السودان، ونرى تغيرا كبيرا فى موقف المؤلف بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية فبعد أن كشف المخططات الاستعمارية لتحقيق هذا الهدف ووسائل مجابهتها ومثبتا بالتاريخ والمصالح حتمية وحدة وادى النيل؛ نراه فى خطبه الموجهة إلى الشعب السودانى ملحقة بالكتاب ــ يشجعهم على الاستقلال معلنا أن هدف مصر فى السودان أن تحقق استقلالها التام عن الانجليز وتدير شئونها كدولة مستقلة قائلا (أننا جميعا سودانيين ومصريين تركنا "العرض" وتمسكنا "بالجوهر" فقط هذا الجوهر هو تطهير وادي النيل شمالا وجنوبا من وطأة الاستعمار)، ولا يُرى أى أثر لذلك الموقف الصارم من وحدة مصر والسودان كدولة واحدة و الذي تجلى في الرسالة التي بين أيدينا و التي كتبها محمد نجيب قبل الانقلاب ( الثورة).

السبت، 28 مارس 2009

الشاعر"فؤاد قاعود "صاحب الفرازة


الشاعر"فؤاد قاعود "صاحب الفرازة



محمد عثمان جبريل


صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة الأعمال الكاملة للشاعر الكبير "فؤاد قاعود " ؛ وهى مبادرة تستحق الإشادة ففؤاد قاعود و بحق من أكبر شعراء شعر العامية و إن كان رحمه الله لا يقبل إلا مصطلح ( شعر العربية المصرية ) فيقول: (إننى أرفض تماما تسميتنا بشعراء العامية، وتسمية شعرنا بشعر العامة، فلا يخفى على أحد ما تحمله الكلمة من معانى التدنى بل والأمية، ذلك أن العامة هم فى مقابل الخاصة.. الأولون فى أسفل السلم الاجتماعى والثقافى بالتالي.. أما الآخرون فهم علية القوم وهذه مغالطة من أكبر المغالطات التى تتعرض لها قضية شعرنا)

و بالرغم أنك ستدرك بمجرد قراءة أول قصيدة له أنه صاحب صوت متفرد فى تجربته الشعرية المتوهجة كالذهب ؛ فقد رأى البعض أنه تأثر كثيرا ببيرم و بعده حداد ، بل اعتبره آخرون أنه امتداد لجاهين متأثرين بحقيقة أنه مكتشفه و مقدمه للمتلقين و القراء فيقول عنه جاهين ( تأثر فؤاد قاعود بالمتنبى فكثر فى شعره الفخر و التعالى و تأثر بالمهجرين فنحا نحوهم فى الشعر الفكرى و تأثر ببيرم فأجاد النظم و السيطرة على الكلمات و طوعها للأغراض الشعبية وتأثر بعصره فأصبح واحدا من الذين يعملون على ان تصبح العامية المصرية لغة أدبية تستطيع أن تحمل فى أحشائها كل الصور و الرؤى الشعرية العاليمة ) وهنا نلاحظ أن التأثر عند جاهين لا يعنى إلا الوعى لا التقليد .


أما عن تفرده فنستأنس بشهادة للأبنودى قالها فى عام 1978 : (لم يتأثر قاعود بأحد، بل كان صوتا جميلا يحمل عالما جميلا، ويتغنى على إيقاعات خاصة به تماما) نعم فقد أبدع قاعود لغته الخاصة التى جمعت بين قدرته الساحرة فى استخدام كلمات و تراكيب فصيحة و مزجها بجمال فائق مع العامية بقدرة تلقائية لا تشعر مطلقا بتكلف الاصرار و القصدية ؛ موجدا لغة شعرية راقية ؛ لا أعرف لماذا لم يتوقف النقاد أمامها ومنظرين لها حتى تصبح لغة إرشادية لكل من يريد أن يتوسل بالعامية أو بـ " بالعربية المصرية " فى إبداعه الشعرى .

و المدهش أن حياة "قاعود" كانت كشعره التى لخصها لنا النقاد فاروق عبد القادر فى تقديمه لديوان " المواويل " لقاعود قائلا :) الحقيقة التي يجب قولها هنا ، ودون تردد ، هي أن الشاعر لم يفقد الأمل أبدا في أن تشرق يوما الشمس التي توزع الدفء والضوء على الجميع ، وهذا ما يرجح عندي القول بأن هذا القهر ليس كونيا ، لكنه قهر موضوعي مرتبط بعوامل محددة في الواقع الاقتصادي – السياسي – الاجتماعي ، قهر لا يتعالى على قدرة الإنسان على الفعل والتغيير .. إن ملامح العالم الشعري لفؤاد قاعود تتحدد أكثر فأكثر على ضوء هذه البلورات الصغيرة ، هذه الفرائد ، حين انتظمها خيط واحد هو الذي ينتظم إبداع الشاعر على العموم : القهر ، والرفض ، والتماس سبل الخلاص .. أشعار قاعود إذن هي ثمرة ناضجة من شعر العامية المصرية ، لشاعر آثر أن يعتزل ضجيج السوق ، فوقف بعيدا ، لا يحول شئ بينه وبين أن يقول كلمته ، مؤمنا بأن لا شئ يأتي ويذهب دون أثر)

فهكذا منذ أن اكتشفه الفنان الكبير صلاح جاهين فى أواخر الخمسينات ؛ ورأى فيه قيمة أدبية كبيرة فعمل على تقديمه للحياة الأدبية ؛ فأتى به من الاسكندرية و قدمه للأديب الكبير إحسان عبد القدوس ، فرأى فيه ما رآه جاهين فعينه محررا بمجلة صباح الخير عام 1963، لم تختلف حياته العملية عن روح شعره ؛ فأخلص له و عمل بشكل صادق على تقديم شعراء كثيرين، يدينون له ولبابه الفرازة بالفضل،وكاتب هذه السطور منهم ؛و آثر العزلة الإيجابية ؛ يقرأ و يكتب غير متعال على الواقع ولا منفصل عنه ؛ لكن ليسمو فوق أدران الشهرة و إدمان الظهور الذى يعرض صاحبه لإغراءات قد تصيب صدقه فى مقتل كما حدث لشعراء كبار ؛ فسدت تجربتهم فى دروب السلطة و المال .
ولنسمعه وهو يقول موضحا رؤيته : لو غيتك شهرتك اعمل لها طبال /صوت الكفوف/ع الدفوف يدوش لكين قتال/والشهره مهره حويطة تقلب المختال/تجمح وترمح وتقزح باللي راكبها/يا يطب للديل يا يطلع فوق مناكبها/تعاند اللي ركبها والغرور ساقه/وتصاحب اللي يلجمها بأخلاقه/والحر لجل الحقيقة يركب الأهوال

و بنشر الأعمال الكملة لأستاذى فؤاد قاعود يتاح للجميع فرصة الولوج فى عالمه الذى سيضفى بلا شك قيمة ومتعة لكل من يقرأة ؛ و أتمنى ان يكون مشجعا للنقاد و المهتمين بإعادة اكتشاف فؤاد قاعود الذى إن كان فى الظاهر أنه ظلم بعدم تسليط الضوء عليه فالحقيقة ان المظلوم حقا هو جمهور الشعر العربى
.
نشر المقال بجريدة الديار التى تصدر فى القاهرة كل يوم ثلاثاء و أتشرف بكونى المحرر الثقافى للجريدة
( ذكر أسمى فى آخر الجزء السادس من الأعمال الكاملة للشاعر الكبير... وهو أمر أفخر به )

المثقف ذلك المجهول ....!



المثقف ذلك المجهول ....!



يستكشفه /محمد عثمان جبريل


توجد نظرتان حول من هو المثقف؟ إحداها ترى المثقف هو من يقوم بتحصيل المعرفة للوصول لوعى ناتج عن معرفته؛ ويمارس دوره بنقل هذا الوعى المعرفى للمجتمع؛ باعتباره مرشدا وموجها، يأخذ بيد مجتمعه نحو المستقبل. والثانية لا تعترف بالمثقف إلا إذا شارك بضمير حر في الشأن العام من أجل تطوير المجتمع حتى لو اضطر لمناقضة السلطة. سواء كنا من أصحاب إحدى النظرتين وبحثنا عن بصمات مثقفينا فى الوطن العربى؛ ولنأخذ مصر كأنموذج باعتبار أنها المركز الثقافى الأثقل لظروف تاريخية؛ ربما نعثر على تجمعات ثقافية وربما نعثر على حوارات دائرة بشكل ملتهب؛ لكنها بلا مردود إيجابي من ناحية الالتحاق بالمستقبل!
قد أوصف بالتشاؤم بسبب عوامل الهدم التى تبدو بشكل مقصود أنها قضاء وقدر؛ أقول: المسألة لا تدخل فى باب التفاؤل والتشاؤم؛ ولكن من يختلف معى عليه أن يثبت بالدليل تأثيرا واحدا للمثقفين العرب اللهم غير رصد الواقع؛ بشكل انتقائي حسب تلونه الأيدلوجي. وقليل منهم من يفعل ذلك من غير نرجسية وظيفية!
فعلى المثقفين الحذر من الواقع العالمي؛ الذى أخرجنا من وضع "مفترق الطرق" إلى وضع "نكون أو لا نكون"، عاملا على دفعنا بقوة لأن نصبح أمة يشار إليها فقط كأمة يجب الحفاظ عليها لأغراض علمية كالكائنات المنقرضة؛ فلا مفر إلا بنفض ركام محاولة البحث عن هوية مستوردة من الغير سواء كان هذا الغير متمثلا فى الآخر الأجنبى والذى يتسم بالضرورة بسمات إذا قبلناها بلا انتقاء أصبحنا فى عداد المنقرضين واقعيا كأمة لها ملامحها وتميزها؛ أو باستيراد هوية ماضوية بشكل سلفى، لكن علينا تجاوز إغراءات الأنماط الجاهزة؛ بإظهار المقومات الخاصة لأمتنا والتى بالضرورة قابلة للحياة مع قبول ما وصلت إليه الإنسانية بما لا يناقض هذه المقومات؛ مع الاستعداد لخوض صراع مع السلطات الرسمية وغير الرسمية. و إلا ... فلنسرع بحجز أماكن عرض متميزة فى متاحف العالم!!!

نشرت فى عمود عناقيد أدب بجريدة الديار

عزازيل بعد هدوء العاصفة/ الرواية الحاصلة على بوكر العربية 2009


"عزازيل" بعد هدوء العاصفة
الرواية الحاصلة على بوكر العربية 2009



قرأها لكم /محمد عثمان جبريل


قرأت رواية عزازيل أول مرة بعد أن أغرانى على ذلك صديق يعيش فى عالم الرواية العربية أكثر مما يعيش فى بيته ؛ لذا لم أشك فى إعجابه المنبهر؛ و اندفعت التهم أوراقها ؛ و أدركت من القراءة الأولى أن "عزازيل " هى أنموذج تطبيقى لنظرية د.يوسف زيدان فى الرواية : (هي صناعة إبداعية ثقيلة ففي الشعر يحلق الشاعر في الصورة الذاتية ويستعين على ذلك بالرهافة اللفظية، وفي القصة القصيرة ينطلق المعنى في النص كحجر المقلاع مثلما قال جلال الدين الرومي "المعنى في الشعر كحجر المقلاع ليس له اتجاه محدد".أما الرواية فهي بنية هندسية مشتملة على معارف كثيرة وسياقات مركبة وتداخلات فهي عالم متماسك به الهندسة واللغة وفيه المعرفة والحكاية الراقية وبه أيضا الخطاب الفلسفي مما يجعل الرواية صناعة إبداعية من الصناعات الثقيلة.) و أشفقت على كاتبها من أعاصير سونامى المتطرفة ...وكما قال الدكتور يحي الجمل أول من كتب عن الرواية على حد علمي فى خاتمة مقاله الذى نشر بالأهرام بعنوان" الشيطان عزازيل "( ويل لهيبا " الراهب بطل الرواية " وليوسف زيدان لو أن المؤسسات الدينية الرسمية قرأت ما خطته يمين كل منهما.)

وحقق الهجوم الكنسي و القبطي الشعبى للرواية ما يرجي من شهرة و انتشار كما يحدث فى الغالب مع الكثير من الكتب التى تلاقى هجوما ظلاميا من من ينصب نفسه متحدثا بالنيابة عن الإيمان ؛ و ان كانت هذه الرواية تستحق من حيث البناء و اللغة و السرد و الفكر هذا الذيوع ؛ وقد رشحت ضمن ستة أعمال للجائزة العالمية للرواية العربية " البوكر العربى" و ستعلن الرواية الفائزة فى شهر مارس المقبل، و تعددت أساليب الهجوم من محاولة مصادرة الرواية إلى الرد عليها فى مؤلفات كتبها رجال دين و كأنهم يناقشون كتاب فى العقائد و دون النظر إلى طبيعة الرواية ؛ كما لاقت الأجزاء التى يصف فيها المؤلف علاقات الراهب النسائية؛ و إن كان اسهب فى وصف تفاصيل علاقته بأول إمرأة يعشقها؛ حتى وصفها بعض النقاد أنها مبالغة فى الوصف الجنسي أفسد على القارئ تركيزه فى تتبع جوهر الرواية ؛ يبدو ذلك من أول وهلة صحيحا،لكن عندما نقارن بين السرد فى علاقة هيبا بعشيقته الثانية "مرتا" نجده و كأنه يستحي من ذكر التفاصيل؛ ربما تبجيلا للمكان الذى دارت فيه الأحداث وهو الدير أو لأنه يحكى عن حاضر؛ أما حكايته مع "أوكتافيا" فهى ذكريات قديمة يسترجع تفاصيلها كنوع من العزاء ؛و أرى أن هناك دافع درامى وجيه لتوظيف تفاصيل العلاقة الجنسية بين "هيبا " الراهب الشاب القادم من أقصى الصعيد بالمرأة الناضجة الوثنية "أوكتافيا"التى تعيش فى الأسكندرية حاضرة الدنيا فى هذا الوقت فى تجسيد حالة الصدام بين نمطين للوعى بالحياة ؛ نمط مرجعيته وثنية يرى أن الجسد هو الوسيلة الرئيسة فى الاتصال بالحياة و نمط مسيحى ينكر الجسد بشكل تحريمي؛ لذلك أرى ان استخدام الجنس هنا لم يكن مغايرا لوحده نسيج الفكرة وجوهرها بل ساعد على إضاءة بعض جوانبها.

بمتابعتى للنقد الذى احتفى بالرواية و بالهجوم و التأييد الذين لم ينبعا من كونها رواية بل كتاب فى مقارنة الاديان ، وفى هذا ظلم لعمل روائي رصين وجميل فى نفس الآن ؛ لكن أرى أن الكاتب نفسه اشترك فى الايحاء للكثيرين بهذا التناول؛من اول الغلاف الذى وضع مصممه ( غير مذكور) قطعة بردية من مخطوطة مسيحية ؛ إلى المقدمة التى كتبها على لسان محقق و مترجم وهمى كتبها على منوال المقدمات العلمية للمخطوطات المحققة ؛ و الغريب أنه بدأها بعبارة مشوقة بشكل سينمائي ( كالمشهد(المثيرة) الذى يسبق التترات فى أفلام التشويق و الاثارة الامريكية): " يضم هذا الكتاب الذى أوصيت أن ينشر بعد وفاتى ، ترجمة أمينة قدر المستطاع لمجموعة اللفائف (الرقوق) " مما أعطي انطباعا لدي البعض و الغريب أن منهم من المتخصصين أن "عزازيل" ليست إلا نشر و تحقيق لمخطوطة قديمة أو على الأقل فهى رواية مستقاة من هذه المخطوطة ؛ و ساعد فى عدم إزالة هذا اللبس تخصص المؤلف وشهرته كباحث ومحقق للتراث الإسلامي و المسيحي ؛ وكانت هذه المقدمة و الصور التى تحدد مسرح أحداث الرواية صبغت عليها صبغة تسجيلية توثيقية ؛ طغت على حرصه على وضع كلمة "رواية " التى تحدد جنس الكتاب ؛ و بالإضافة لكل هذا اختياره للحديث النبوى الشريف" لكل امرئ شيطان ، حتى أنا ، غير أن الله أعاننى عليه فأسلم " و الذى صدر به الرواية فرآه البعض مفتاح لفهم طبيعة عزازيل الذى يقصده و البعض الآخر رآه و كأنه يريد ان يقول ان هذا كتاب ينتصر للتصور الإسلامي لطبيعة المسيح .

وقد برر زيدان اختياره لهذا القالب و الذى أسهم كثيرا فى اللبس ؛ أنه من صميم حرية المبدع؛ و أنه حرص على إظهار جنس الكتاب بكتابة كلمة "رواية "على الغلاف ؛ وهذا الرأى لا يمكن رفضه ؛ إلا فى حالات يصبح غير مقبولا ؛ مثل هذه الحالة ، فلا يصح أن يرسم فنان لوحته بالتقاليد و الألوان التى تخص عصر قديم ؛ ثم يقدمها على أنها من التراث ؛ حتى ولو كانت ضمن معرض عن أعماله الخاصة؛ أو مخرج يقدم فيلمه بشكل تسجيلى و يكتب فى مقدمته ان الأحداث التى تدور فيه واقعية ؛ و يحتج بأنه لم يقصد الخلط بدليل أن كتب على " أفيشات " الفيلم أنه فيلم روائى .
و برغم كل هذا و بعد هدوء العاصفة ؛ أدعو الجميع لقراءة " عزازيل " كعمل أدبى يحمل كثير من الرؤى العميقة و يلقى بظلاله على الواقع و تكشف لنا إن الإرهاب الفكرى و العنف ليس من صناعة عقيدة معينة بل هو نتاج لازم لمن يظنون أنهم متحدثين بالنيابة عن الله سبحانه.
نشرت بجريدة الديارـــ المصرية فى باب ديار الثقافة

الثلاثاء، 19 أغسطس 2008

تاريخ الهتافات من تحيا مصر إلى كفايه حرااام




الشياطين الحمر اهم ...
زمالك يا مدرسه ... لعب وفن وهندسه
يا ... فلان .. روّح ... أمك إنصلحت !!

بالروح بالدم نفديك يا جمال .. أو يا سادات .. أو يا أي حاكم ..ـ ـ منطلقة من فم أي منافق ــ و آية نفاقه أنه يعد بما لا يملك ..!للهتافات تاريخ قديم في مصر قدم نشأة الدولة ؛ و تعددت بالضرورة لغاته بتعدد اللغات التى تحدث بها المصريون على مر تاريخهم الطويل ، و تعددت أغراضه بتعدد أهداف و نوايا المرددين له ؛ فأحيانا كانت الهتافات تنطلق من القلوب لتعلن عن مشاعر أو آمال حقيقية .. وأحيانا كانت تعبيرا عن ظلم وقع أو تهديدا بالثورة ؛ أو تشجيعا لفريق رياضي ... و أحيانا كثيرة نفاقا من جوقة المنتفعين أو محترفي الهتافات " الهتيفة" كما أطلق عليهم قبل حركة الجيش(1952) ! وقد كانوا أشهر من خطباء الأحزاب و أكثر أهمية ؛ و تقول الوقائع التاريخية أن أهميتهم زادت بعد الحركة المجيدة !(الثورة المباركة)


لنا أن تخيل هتاف فلاح العصر الأهناسى ــ في مصر الفرعونية ــ الفصيح و هو يهتف مطالبا بحقه الذي سلبه منه أحد موظفي الدولة ــ إذن هذا السلوك له جذور ضاربة في أعماق التاريخ ــ فهو نفسه الهتاف الذي ردده المصريون عندما كسرت ظهورهم ضرائب البرديسي ــ في العصر الحديث ــ

إيش تاخد يا برديسي .............من تفليسي !

و بالطبع لن ينسى التاريخ الهتاف الذي يؤكد بمصداقية أكبر من أى قلم مؤرخ محايد ــ موقف المصريين من الخديوي عباس و ميله للدول الغربية من أجل مصالحه و نزواته الشخصية ( شوف أنا مؤدب إزاى مقلتش الدافع كان العمالة..) و على حساب الشعب الذى عرف مرارة الدين الخارجي على يديه ــ و يقال أنه أول حاكم مصري قتل فى التاريخ الحديث و ليس أنور السادات ــ :

عباس باع أرضه

يا ولاد شوفوا طوله

وعرضه يا ولاديا

ولاد غنو له

يا ولاد على عرضه و طوله

وقد لاحظ المحتل الدور الحيوي الذي تلعبه الهتافات في حياة الشعب المصري ــ و أنها هي برلمان الحقيقي للشارع ــ فجرموا الهتاف باسم سعد زغلول أثناء أحداث ثورة 1919و لكون الهتاف من اللزوميات الرئيسة لأي حركة شعبية .. فلحن لهم العبقري سيد درويش أغنية " يا بلح زغلول" ليهتفوا بها رغما عن المستخرب الإنجليزي ..


تعلم الإنجليز الدرس فعملوا ألا يقفوا حجر عثرة في طريق تحقيق آمال الشعب المصري التي يعبرون عنها في هتافاتهم ... فمثلا عندما هتف المصريون : الجلاء التام أو الموت الزؤام.فهمها الإنجليز على ضوء الهتاف الأشهر : نموت نموت .. و تحيا مصر ( تكرار نموت لتأكيد الرغبة العارمة !) فلم يكن أمام الإنجليز و هم أصحاب أعرق ديمقراطية في العالم إلا أن يحققوا هذه الأمنية و ضربوا المتظاهرين بالنار ليموتوا خلال سنوات عديدة و لسان حالهم يقول : لماذا يغضب المصريون لقتلنا إياهم .. أليست هذه رغبتهم .. بل رغبتهم الأولى في هتافهم الأشهر ..


من استقراء تاريخ الهتافات المصرية ؛ يتضح لنا أنها بدأت للتعبير عن الرفض والمعارضة ؛و منصبة صوب الظلم الذى يهبط عليهم مدرارا من قبل الحكام ــ كعادة تاريخية لها خصوصية مصرية ــ فيذكر ابن إياس في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور لهتاف صنفه المصريون احتجاجا على الإجراءات التي فرضها المماليك عليهم لخزن الدريس و تسخير الناس في حملها إلي بيوتهم 911هـ

( أهرب يا تعيس

أهرب يا تعيس

الا حملوك الدريس

اهرب يا تعيس )


في العصر الحديث لم يختلف الأمر عندما زاد أحد الولاة الضرائب سار الأهالى و الصبية " في رواية للجبرتي" تحت نوافذ بيته ، يرددون منظومة عامية ــ هتاف ــ يقولون فيه :

يا باشا يا عين القمله

مين قالك تعمل دي العمله

ياباشا يا عين الصيره

مين قالك تعمل دى التدبيره


و من خلال تتبعنا هذه لتاريخ الهتاف في الشارع المصري نرى أن المصريين ليسوا سلبيين بالفطرة كما يدعي البعض ؛ بل نرى ملامح إيجابيتهم ليس فقط فيما يخص أرزاقهم و لكن كان لهم دورا في كل مناحى حياتهم الأخرى فنجدهم يستنكرون تصدي الجهلاء لأمور الدين فهتفوا مطالبين المختص بالتحرك :واحد ظهر وادعى انه نبي بالحققوم يا وزير البلد واحكم على قتله أهل العلوم أرخوا هذا كفر بالحق ..وكما استعرضنا ورأينا تحولت أغلب الهتافات حتى منتصف القرن الماضي إلي هتافات ضد المستعمر ؛ ولكن بعضها كانت هتافات حزبية يقوم علي شأنها محترفون ؛ وعندما قامت الثورة وحلت الأحزاب انزوي دور الهتافات كسجلات لما يمكن أن نطلق عليه برلمان الشارع الذي لجأ إليه المصريون للتعبير بتلقائية و بدون تنظير ؛ تحولت إلى هتافات تتغنى بحب مصر ــ كأننا عشاق كذبة نريد أن نقنع المعشوق بمعسول الكلام و بالإلحاح ــ وعندما تقلصت مصر في صورة الحاكم و أصبح الحاكم هو مصر ــ تحول الهتاف إلى التغني بالحاكم / و بالروح والدم نفديك يا جمال ـــ أو : "لا لا"... تتنحى / [ فى الحقيقة استخدم المتظاهرون تعبير صوتي من الإباحية الشعبية للتعبير عن الاعتراض ! ] بعد عرضه المؤدب للتنحي إثر هزيمة 67 ؛ و مات الزعيم ولم يستطع أن يقدم له صاحب الهتاف المنافق دقيقة تزيد في عمره ؛ عمر الزعيم "الخالد"!: و ــ و بالروح والدم نفديك يا جمال

و لم ينقطع هذا الهتاف الذي يبدو أنه أصبح شعارا للجمهورية الحديثة فى مصر .. لكن بعد ما حدث للسادات وهو يستمع منتشيا لأصداء هذا الهتاف ؛دفع من يسمعه الآن أن يرسم ابتسامة ساخرة ــ تخفى تمتعه به ــ فقد وعى الدرس تماما فالهتاف لا يمنع قدرا!!و بمرور الوقت تقلص دور الهتاف الشعبي بعد أن قام بهذا الدور مؤسسات و صحف و فنانون ...


وكما أننا نعرف أن في مصر لا يموت أحد من الجوع ( ربما اهتزت هذه الحقيقة بعض الشيء فى زمن الإنجازات !)فقد وجد الهتيفة الأصلاء ـــ لا المزاحمون من سياسيين وصحفيين و غيرهم ــ مجالا جديدا ، رزقه واسع !هو المجال الرياضي عامة و كرة القدم خاصة ؛ وعادت لهم حرية وسائل التعبير الأخرى من رمى طوب أو زجاجات فارغة كما كانوا يفعلون في النصف الأول من القرن الماضي فى الملاعب السياسية !و تعددت فنيات التعبير فى الهتاف الكروي من هتافات ذات مسحة سياسية معارضة :مثل الصحافة فين الـت ... أهه ( و لا حياة لمن تنادى ) أو هتاف الغرض منه عقاب أو إرهاب طرف ــ وغالبا ما يكون الحكم المشكوك فى نزاهته ــ و المشجعون آمنون من تطبيق قانون الطوارئ ضدهم وهم يعبرون عن الآراء بحرية فلهم حصانة من الفيفا ! أليست مؤسسة دولية !ــ فيذكرون أعضاء حساسة من جسد أهله ! (وان كانت أمه هى المفضلة غالبا..)


هكذا فالهتافات المصرية تطورت عبر التاريخ تحت تأثير العوامل السياسية ؛ فنستطيع تلخيص رحلة التطور هذه ــ فى التاريخ الحديث والمعاصر ــ على أربع محطات ( بل يمكن أن تكون مفاتيح لفهم التطور الذي حدث للوعي المصري ) الأولي : نموت .. نموت و تحيا مصر

الثانية : : بالروح بالدم نفديك يا جمال

الثالثة : جوز الخيل والعربية الأهلي فتح الكليه

الرابعة : و في مرحلة المخاض الكاذب : أكتفت بكلمه واحد : كفــــــــــــــــــايه !!

لكن أخشى ما أخشاه أن تفهم السلطة الحاكمةــ من هتاف كفاية ــــ أن الشعب تعب ويريد التغيير فتوفر له وسائل الموصلات المتاحة إلى الهجرة ..و إذا تعذرت الإمكانات فلا مانع من توفير الانتقال إلى العالم الآخر ( وما رحلات إيطاليا ببعيد) .. وهكذا تحقق السلطة الديمقراطية بانحيازها لرغبة الرأى العام .............................

و كفايــــــــــــــــــــه حراااااااام

كفايـــــــــــــــــــه حراااااااام

كفايـــــــــــــــــه حراااااااام

كفايــــــــــــــه حراااااااام

كفايـــــــــــه حراااااااام

كفايـــــــه حراااااااام
كفايــــــه حراااام